0




إنّ فصول هذا الكتاب، هي تمارين على اللقاء مع هيدغر بوصفه الفيلسوف الذي رفع الترجمة إلى رتبة الشكل الأقصى من الإمتحان لإمكانية العقل البشري، كما قال لنفسه أو قدّر مفاعيل المعنى التي قادت الإنسانية إلى حدّ الآن، لكنّ الترجمة هي أيضاً ورشة حرية خطيرة لأنّها تنتهي غالباً إلى رسم حدود كل أنواع اللقاء مع الغير، ما لم يكن هذا الغير مستعدّاً لتكلم لغتنا أو للتفكير بعقولنا.

مقدمة


التفكير بعد هيدغر أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟ لـ فتحي المسكيني (( هيدغر بالعربية)) عبارة لا تعني أن نعرب مفاهيمه أو مصطلحاته فحسب، بل أيضا على الخصوص أن نجعله يتكلم لغتنا، بحث يمكننا أن ندعي دون مشاحة أن قد فكر بعقولنا والتبس بأنفسنا لبعض الوقت وداخل سياق ما كان لهيدغر (( الشخص)) أن يعرفه. ولأن الفيلسوف ليس شخصا، بل رمز أو بنية عامة للنوع الإنساني أو هيئة روحية للعصر أو فرادة حرة ومتمردة، فنحن يحق لنا دوما أن نقتبس من شخصيته المتعددة مقطعا كونيا لا نحتاج إلى تبرير استضافته في منزل الكينونة الذي يخصنا. رما لم يبق بين العقول الكوني والأرواح الحرة للإنسانية غير أشكال متنوعة من الضيافة الروحية. ولكن لان تلك الضيافة غير ممكنة إلا من خلال الترجمة بمختلف أنواعها، فغن المترجم قد تحول راهنا إلى سفير ميتافيزيقي بين الشعوب واللغات والعصور. ومن يترجم لم يعد ناقلا للدخيل بل صار مربيا للأرواح الحرة، أي القادرة على الكونية، مهما كان الركن الذي تقبع فيه معزولا.
ولذلك بين الترجمة والحرية صله سابقة لا نفكر بها إلا قليلا. وليست تلك بحرية سالبة، ناتجة عن غياب الحدود والموانع. بل حرية موجبة، قائمة على حق عقولنا في المشاركة في ضيافة المعاني الكونية داخل أفقنا الروحي، فحين نفكر نحن نترجم، أي نتملك فدرة تفكير كونية ولدت في أفق أمة (( أخرى ))، ومن ثم نحن نتحرر من غربتنا إزاءها. إن الترجمة تحرر من الجهل بما لم تقله لغتنا، على الرغم من أنه جزء من طبيعة العقل البشري فينا. ومن ثم ، فالترجمة تمكن العقل في ثقافتنا من أن يصبح (( بمقام مالك وسيد )) على بعض الإمكانات الثاوي في طبيعته إلا أنها لام تتولد إلا في أفق ثقافة أخرى.
وإذا كان (( الغرب )) يشكل اليوم، دونما منازع جدي، (( الأب )) الروحي للإنسانية الحالية، حسب توصيفات أطلقها كانط وهيغل إلى هابرماس ودريدا، فإن الترجمة المتعالية، وليس الانغلاق اللغوي، هي أنجع طريقة للتحرر من الآباء السريين لأنفسنا. وهذه فرضية عملنا: إن أكثر الطرق جذرية للتحرر من أب روحي أو فلسفي هي أن نترجم فكره إلى لغتنا. ولا يقصد من ذلك سوى تمرين العقول على المعاين الكلية كما قيلت في لغة أو لغات أخرى، ومن ثم أن ندفع لغتنا نفسها نحو ملاقاة تلك المعاني، كأنها إحدى الإمكانات الأصيلة فيها. وحدها الترجمة بمقدورها أن تساعد قضية العقل في ثقافة ما ، وذلك فقط بقدر ما نعد الترجمة مهمة فلسفية قائمة برأسها، ألا وهي مهمة فتح اللغة الخاصة على الطبيعة الكونية للعقل البشري. وبعامة نحن لن نتحرر من هيمنة (( الغرب )) ( من حيث هو السقف الرمزي الأعلى للإنسانية الحالية) إلا بقدر ما نترجمه في لغتنا وعقولنا وليس فقط أن نقرأه في لغته.

الفهرس :


الإهداء ..........................................................................................................................7
توطئة : هيدغر بالعربية أو الترجمة والحرية................................................................................9
الفصل الأول : ضيافة المعاني أو الترجمة ومنازل الكينونة بحث في آداب الترجمة لدى هيدغر ......................15
الفصل الثاني: <<كان>> <<ووجد>> مدخل اصطلاحي إلى تأويلية الكيان (بحث في لغة هيدغر) .................33
الفصل الثالث: الفلسفة و << الملكوت>> في بعض ملامح البدء الآخر للفكر............................................63
الفصل الرابع: هيدغر والزعامة أو الفلسفة ونقد العقل الرعوي ...........................................................81
الفصل الخامس: التفكير بعد هيدغر أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل........................................105


بيانات الكتاب


كتاب: التفكير بعد هيدغر أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟
المؤلف: فتحي المسكيني
الناشر: جداول للنشر والتوزيع
سنة النشر : 2011
عدد الصفحات: 211
الحجم: 7,04 mb

تحميل كتاب التفكير بعد هيدغر أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟



Post a Comment

 
Top